ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
46
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
النوع العاشر في الحروف العاطفة والجارّة وهذا موضع لطيف المأخذ ، دقيق المغزى ، وما رأيت أحدا من علماء هذه الصناعة تعرّض إليه ، ولا ذكره ، وما أقول إنهم لم يعرفوه ؛ فإن هذا النوع من الكلام أشهر من أن يخفى ؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها ، ولست أعني بإيراده هاهنا ما يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع [ المعطوف ] المعطوف عليه في الإعراب ، ولا أن الحروف الجارة تجرّ ما تدخل عليه ، بل أمرا وراء ذلك ، وإن كان المرجع فيه إلى الأصل النحوي ، فأقول : إن أكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها ؛ فيجعلون ما ينبغي أن يجرّ بعلى بفي في حروف الجرّ ، وفي هذه الأشياء دقائق أذكرها لك . أما حروف العطف فنحو قوله تعالى : والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيين فالأول عطفه بالواو التي هي للجمع ، وتقديم الإطعام على الإسقاء والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم ، ثم عطف الثاني بالفاء ؛ لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما ، ثم عطف الثالث بثم ؛ لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان ، ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي ، ولو قال قائل في موضع هذه الآية الذي يطعمني ويسقين ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان للكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية ؛ إذ كل شيء منها قد عطف بما يناسبه ويقع موقع السداد منه . ومما جاء من هذا الباب قوله تعالى : قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره ألا ترى أنه لما قال : من نطفة خلقه كيف قال : فقدره ولم يقل ثم قدّره ؛ لأن التقدير لما كان تابعا للخلقة وملازما لها عطفه عليها بالفاء ، وذلك بخلاف قوله :